دكتور عبد العزيز الدوري

40

مقدمة في تاريخ صدر الإسلام

البحري المؤدي إلى خليج البصرة . نشطت هذه الدول عامة بنشاط حركة التجارة على الطرق التي تمرّ بها ، وضعفت بتحول تلك الطرق عنها . اعتل السبئيون حين تحوّلت التجارة بين الهند وحوضي البحرين الأبيض والأحمر من الطريق البري المار بمأرب في الغرب إلى البحر من ساحل حضرموت إلى باب المندب والبحر الأحمر في القرن الأول ق م ، فخسروا احتكارهم للتجارة الشرقية ، ووافق ذلك النشاط التجاري للبطالسة . ونشط الأنباط في فترة تراخي الحميريين واستفادوا من حلف الرومان . ونشأت تدمر الجميلة حول منابع ماء في الصحراء ، وازدهرت بنشاط الطريق التجاري الشرقي ، وأثرت واستفادت من التوازن بين البيزنطيين والفرس ومن ضعف الأنباط بتحوّل الطريق عنهم . ولم تبق فعاليات تدمر تجارية خالصة بل صار لها طموح سياسي ، فاختل التوازن وفقدت مركزها وكيانها . وضعف الحميريون لظهور النشاط التجاري الحبشي البيزنطي ، وسقطوا ضحية هذا الحلف الخطر . وازدهرت مكة لوقوعها على الطريق التجاري المار بغرب الجزيرة ، لأنها استطاعت تنظيم علاقاتها التجارية مع القوى السياسية المتناحرة البيزنطية والفارسية دون أن تنحاز إلى جهة ، وكانت فترة نشاطها بعد خمود النشاط التجاري في جنوب الجزيرة وشمالها . ومن هذا يتضح أنّ العرب الحضر كانوا تجارا بالدرجة الأولى ، تميزوا بأنهم كانوا وسطاء - كما قال سترابو في القرن الأول قبل الميلاد . وأصبحت حضارتهم متأثرة بحركة التجارة ، ومعنى ذلك أنهم اتصلوا بالشعوب المجاورة وابتعدوا كثيرا عن روح البداوة . ولعل هذا يوضح تعقيد حضارة تدمر والأنباط . ولعل دراسة هذه الناحية تكشف أفقا جديدا في بعض النواحي الغامضة كالشبه القوي بين بعض مظاهر الحضارة اليمانية ( في العبادة والري مثلا ) وحضارة وادي الرافدين ، والشبه بين تنظيم مدينة البتراء ومدينة مكة قبل الإسلام . أمّا وسط الجزيرة فقد كان المنبع البشري الذي يفيض دوما على الأطراف . فالجفاف ، وقله الموارد المعاشية ، وكثرة التناسل ، وخصب الهلال الخصيب وغناه ، ووجود مجار لطرق التجارة ، كل ذلك أدى إلى تسرّب البدو المستمر إلى الهلال الخصيب ، بهيئة هجرة سليمة محدودة أحيانا ، وبهيئة غزو واكتساح أحيانا . وهذا ما حصل في ما سمي بالموجات السامية التي غمرت الهلال الخصيب ، وكانت خمسا ،